نبارك لكم الانضمام الى مدونتنا الجميلة

نرحب بك عضواً جديداً
ارجو التواصل مع الفائدة المتوخاة
اهلاً وسهلاً بك مرة اخرى

ادارة المدونة

الجمعة، 18 نوفمبر 2011

الحوار المتمدن .. فلاديمير لينين .. من هو الشيوعي


عندما نسمع في كثير من الاحيان ممثلي الشباب وبعض المدافعين عن التعليم الجديد يهاجمون المدرسة القديمة قائلين انها كانت مدرسة حشو الي فاننا نقول لهم انة ينبغي لنا ان لا ناخذ عن المدرسة القديمة ماكان صالحا ينبغي لنا الا ناخذ عن المدرسة القديمة اسلوب ارهاق ذاكرة الشباب بكمية من المعارف لا حد لها . تسعة اعشارها لا تفيد والعشر الباقي مشوة . غير ان ذلك لا يعني اننا نستطيع الاكتفاء بالاستنتاجات الشيوعية والشعارات الشيوعية المحفوظة غيبا . ماهكذا تنشا الشيوعية . فلايمكن للمرء ان يصبح شيوعيا الا بعد ما يغني ذاكرتة بمعرفة جميع الثروات الفكرية التي ابدعتها الانسانية .. لسنا بحاجة الى الحشو الالي . انما ينبغي لنا ان ننمي ونحسن ذاكرة كل تلميذ بمعرفة الوقائع الاساسية لان الشيوعية تمسي صفرا تمسي مجرد شعار خارجي . لان الشيوعي يمسي مجرد دعي سخيف اذا لم يتمثل وجدانة جميع المعارف التي اكتسبها كافة. هذة المعارف ينبغي لكم ان الا تكتفوا بمجرد استيعابها . ينبغي لكم ان تستوعبوها بفكر نقاد . لكي تغنوا دماغكم بعلم جميع الوقائع التي لا يمكن للمرء بدون معرفتها ان يكون اليوم انسانا مثقفا . ان الشيوعي الذي يدعي الشيوعية لانة تعلم استنتاجات جاهة دون ان يقوم بعمل كبير جدي كثير ا وصعب جدا دون ان ينظر بعين ناقدة الى الوقائع التي يترتب علي ان يتبصر بها بفكر ناقد نفاذ . ان مثل هذا الشيوعي يدعوك للرثاء لة . وليس ثمة ماهو اشام من موقف سطحي كهذا الموقف . فاذا كنت اعرف اني اعرف قليلا بذلت كل مافي طاقتي لاعرف المزيد ولكن اذا زعم امرؤا يدعي انة شيوعي انة ليس بحاجة لان يعرف أي شي ثابت فانة لن يصبح ابدا ولو شبيها بالشيوعي . ....
...... بل اننا لن نتمكن من توطيد اسس المجتمع الجديد الشيوعي . بل اننا لن نتمكن بالاحرى من انجاز بناء هذا المجتمع الجديد على هذة الاسس ...
المصدر 
البرافدا الاعداد ..221-222
-الخامس والسادس–
تشرين الاول .. اكتوبر . 1920
لينين المؤلفات الكاملة المجلد 41
من صفحة 298
تعريب دار التقدم موسكو .
لينين في الثورة والثورة الثقافية 1966
بقلم صاحب المدونة .

اصحوا من نومكم ...

يعيش الاسلاميين سباتهم الطويل ، في ظل ثقافات مضادة قوضت مضاجعهم ، وجعلتهم يتخبطون في حيرة وتيه واضحين ، بغياب الادوات الصحيحة لتقويم المعوج ، حيث كانت اهتماماتهم ومنذ الف ونيف سنة الفقه والعقائد والمهاترات الطائفية ، فكراً وتعصباً على ارض الواقع ، كان ضحايها الاف من الابرياء على مذبح الاسلام المتشّدد ، بينما الغزو الثقافي الغربي بكل أدواته ، السابق الممتمثل بالشيوعية واطروحاتها ورجالاتها وما وصل منها الى الشرق الاوسطي ، حيث كان هذا الكيان كالسرطان الذي غزا العالم تحت ظل شعارات جميلة ، الدفاع عن حقوق الفلاحيين والعمال ، والدفاع عن حقوق المرأة وحراياتها ، وكانت لهم منظومتهم الاقتصادية الكبيرة بكتاب رأس المال لمؤلفه كارل ماركس ، وقد سيطرت تلك الافكار لحين سقوط الشيوعية العالمية ، وبعدها جاءت العولمة بكل أدواتها المعروفة ، حيث السيطرة على مستوى جميع الاصعدة ، ثقافياً ، اقتصادية ، اجتماعياً ، وهذا يبدوا واضحاً الى الان ، حيث تبلورت عن ذلك الليبرالية العالمية بآزهى صورها ، وكان رد الاسلاميين على الفريقين بسيطاً جداً لا ينسجم مع قوة الهجمة ، وهذا كان سبباً في انجرار الكثير من الشباب الى الاطروحة الثانية اكثر ، وعلى سبيل الحصر لا ننسى التجربة السياسية في العراق بعد سقوط صنم العوجة الاعوج ، حيث فشل التشيع الاسلامي في قيادة دولة حديثة تنعم بالديمقراطية شكلاً لا غير ، بمباركة مرجعية تغظ الطرف عن الفساد المستشري وعن لغة الاقصاء الواضحة وضوح الشمس ، فبعد كل تلك الاسباب المقتضبة آنفة الذكر ، جعلت الشباب يتوجهون الى الثقافة اللبرالية مع ما عليها من مؤخذات ، والحق يقال انها مع سلبياتها اصبحت تلائم طموحات هؤلاء الشباب ، بعد الفشل المتواصل من قبل الاسلام السياسي كمرجعايات قابعة في قماقمها ، وسياسين لا هثين وراء المال والجنس ، ولا ننسى العمائم المستنسخة التي لا شأن لها بالطرح العلماني والليبرالي ، لكون التقرب منه كفر والحاد ، اذن يترك الحبل على الغارب هكذا بنية الصوم عن الرد ولو بشكل معتد به ، ويشكر على ذلك من اسهمت اقلامهم ، في رفد المكتبة الاسلامية بمؤلفات وردود ومقالات ، تبعثرت هنا وهناك لتوضيح وتبيان بعض الاوجه لا جميها ، وهي اكيداً كانت قاصرة في رد ماهو اعظم واكبر من الطرح العالمي الاخاذ ، لما لأقلامه من غزارة وبيان قول وحجة في الدفاع عن قضيتهم التي باتت تحكم العالم بالقلم والفكر والانترنت ، ومن يزعم غير ذلك من دون وجه حق وهو لا يعرف الف باء الثقافة ، فليصمت الى الابد ولا يتكلم الا بعد ان يكون مؤهلاً للرد ، وهذا الميدان وجد لخدمة الجميع بكل الوانهم ومشاربهم ، ومدونتي مفتوحة للجميع بمسافة واحدة ، ولا فرق عندي بين مسلم وغيره ، وهي مفتوحة لكل الديانات السماوية والوضعية لأعلاء كلمة الحق دون النظر الى العرق واللون .

الخميس، 17 نوفمبر 2011

كيف تقومون المشهد الثقافي العربي الراهن؟ وما هي الأسماء والمشاريع الفكرية التي تجتذبكم وتعتقدون أنها ليست نصوصاً مكررة؟ سؤال طرح من قبل رئيس تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة ( عبد الجبار الرفاعي ) للكاتب الاسلامي المعروف جودت سعيد ..


الجواب: تقويمي للمشهد الثقافي العربي الراهن ليس متشائماً مهما كان هذا المشهد بطيئاً. إن المشهد الثقافي العربي بدأ يتحول من تمجيد أو إدانة السياسيين إلى الرجوع إلى النفس. وهناك قصة تدل على الثقافة العربية خلال بواكير محنة فلسطين، حين أعلنوا الحرب على إسرائيل. فقد طلب صحفي من المفتي أمين الحسيني أن يقوّم الحالة، فكان جوابه: إذا تكلم السيف فاسكت يا قلم. لقد تكلم وكان له ضجيج وصخب وانقلابات وحروب وتبادل للتهم، وكان صوت المثقف وعمله خافتاً، إن لم نقل صامتاً ساكتاً. ولكن الآن لم يعد الناس، بعد نكبة الخليج، يحّملون السياسيين التبعة. فقد بدأ المثقف يفكر بشكل مختلف وبدأ يفكر في الانقلاب الاجتماعي. وحصل هذا من قبل حين أُعلن في هزيمة حزيران 1967 ولو بصوت خافت، أن الهزيمة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت هزيمتنا ثقافية. هذا هو تعليم التاريخ. فالثقافة لم يعد يحملها أفراد إصلاحيون فقط مثل الأفغاني ومحمد عبدو وتلاميذهم، وإنما صارت أعم ولم تعد هناك أسماء بارزة (كارزمية) مهدية أوحدية، بل برز اتجاه عام. فمثلاً نشوء مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. وهي ليست مؤسسة سياسية ولا تابعة لدولة وإنما مؤسسة ثقافية دراسية تستقطب المفكرين والباحثين، ولها نشاط جيد في إنتاج الفكر والتحليل كما أن لها ندوات وملتقيات بحثية فكرية رصينة.
وكذلك المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن. إنه توجه صحيح وجيد وبدأ يخرج وينتج شباباً باحثين مفكرين وتفرع عنه كلية الدراسات الإسلامية الاجتماعية للنساء والرجال. وهناك تناغم مع العالم الإسلامي بشكل راسخ مهما كان متمهلاً وبطيئاً. هذه المؤسسات مع كل قصورها إلا أنها تزداد رسوخاً وقوة وإقبالاً وتقديراً من الآخرين. وكذلك الجامعات العربية التي تخرج الجيل الثاني والثالث. وهذا إضافة إلى الوسائل السمعية والبصرية والقنوات الفضائية التي تتكاثر في تنافسٍ وتأتي بالمفكرين والباحثين لمناقشة الموضوعات. والناس يراقبون ويقبلون عليها إقبالاً جيداً. وهذا شيء جديد جداً. وقد بدأ التنافس في عرض آراء الباحثين الاختصاصيين في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. والموضوعات متسارعة، وهي تبشر بخير كثير، مع كل جوانب القصور، ونتطلع إلى التحسين في الفهم والأداء والإخراج. وإن إنساناً يرصد هذا بحضور وإحصاء يمكن أن يضع أفهامنا وأعيننا على التطورات التي تحدث. وهذا يدعو للتفاؤل.
إن فكرة الديمقراطية وإن كان الحديث عنها قليلاً إلا أنها بدأت تتعمق في مفاهيم الناس. إن كلمات ومصطلحات "مسألة الآخر" و"تعدد الرؤى" و"حرية الكلمة" بدأت تولد وتتكرر وتتحدد لها مفاهيم. فهي تتحرك وتنمو وأصبحت الرقابة ممجوجة، ولم يعد ممكناً الحيلولة دون انتشار أفكار اكتسبت قوة الاختراق، بحيث لم تعد أمامها حدود. إن وسائل تبادل المعلومات تنمو يوما بعد يوم. وهذا لمشهد ممتع لمن يتمكن من مراقبته. وكذلك معارض الكتاب في كل العواصم العربية، وتبادل المطبوعات والمحاضرات والباحثين، وتطور الفن العربي والمسلسلات التي يتنافس أصحابها في الإبداع أصالة وحداثة.
نعم يمكن أن نرى جوانب نقص كثيرة ولكن الأمور تتقدم برسوخ. والأيام قريبة وأقرب مما نظن للعودة إلى التواصل والالتئام. حتى يمكن أن نقول لئن رجعنا إلى التواصل فلن نتقاطع بعد. فكأن هذه الأشياء تحدث حتى دون كلام، لأن الظروف صارت تفرض الانتقال إلى علاقات جديدة. فحتى المكرر صار يحمل معنى جديداً، فالتطور ماحق ساحق سريع لا يسمح بالتوقف. مع كل هذا، فالمتشائم لا يمكن أن يرى إلا التقليدي المكرر الممل الذي لا يجلب الانتباه حتى في المجال السياسي. هناك كلمات وإن كانت خافتة وغير مكررة كثيراً إلا أنها ولدت وصرنا نسمعها. إن تصريح وزير جزائري عقب الإنتخابات: "خسرنا الانتخابات ولكن ربحنا الديمقراطية" لكلام جديد وغير مكرر. وهو إبداع وتطور ومبشر بخير كثير. وكذلك يصرح سلمان بن عبد العزيز، وزير الدفاع السعودي في واشنطن: "أن الشعوب لها رغبات لا يمكن أن تتجاهلها طويلاً". فهذا أيضاً كلام غير مكرر، وليس بلا معنى. إن التطور ملموس ضمن هذه التصريحات. ونسمع مسؤولاً أردنياً يقول ما فحواه: لماذا إذا استجبنا لرغبات شعوبنا يعتبر ذلك تطرفاً وتراجعاً؟ ولماذا هم يعتبرون استجابتهم لرغبات شعوبهم قيمة إنسانية وتقدماً وتطوراً نحو الأمثل؟ فكل هذه وأمثالها ليست قليلة، وإن كانت قليلة البروز خلال الضجيج الصاخب وتبادل الإدانات. إن العالم العربي والعالم كله تصدع بعد حربي الخليج. فالكل راجع حساباته سواء المستضعفين أو المستكبرين. إننا سنضطر جميعاً أن نتكيف مع التاريخ. وهذه الظاهرة ظاهرة عالمية في عموم أفريقيا وآسيا وجنوب أمريكا. إن العالم يولد ولادة جديدة مع كل الآلام والآمال التي تصاحب كل الولادات.

وهنا محمد اركون من زاوية اسلامية .. مقالة منقولة من مجلة العصر


محمد أركون ومعالم أفكاره*
يرى أركون أن القرآن والكتب السابقة تعاني من سياق واحد، ويضع القرآن مع الأناجـيل في مستوى من الثبوت والدراسة واحد، ويرى أهمية النقد والتجديد. وعمله هذا النـقـدي السلبي النافي -الذي يمسخ كل الحقائق وكل المعاني- لا يمكن بحال أن يـكـون مـذهـبـاً فكرياً بديلاً؛ بحيث يحل محل شيء من الفرق أو الجماعات التي وجدت عـلـى الساحة الإسلامية وليس بأسلوب يمكن قبوله من قِبل السنة أو الـشـيـعـة؛ 
* المقال قديم نشر منذ أكثر من عشر سنوات، لكن العصر تعيد اليوم نشره، لأن أفكاره ومحتواه متجدد، فمازالت مقولات أركون هي نفسها لم يتغير منها شيء. 
تطورت في عصرنا هذا وسائل الدعاية لكل شيء بمقدار لم يسبق له مثيل ، هذه الدعاية في قضايا الكماليات ووسائل الراحة قد تكون معقولة إلى حد ما، لكن الغريب من أصناف هذه الـدعـايـة، الدعاية الفـكـرية لعامة الكـتاب والشعراء والروائيـين إلى درجة تدفع إلى السأم وعدم الثقة بأي شيء يشتهر من كتاب أو كاتب أو صحيفة، فيجعلك هذا لا تثق بالشهرة لأي عمل، إذ قـد يكون في غاية الرداءة والفساد لكن جيوش الإعلام والترويج تحاصرك حتى تفقد بصيرتك. 
وقد حاصرتنا الدعاية في زماننا ورفعت فـي وجوهنا مجموعة من الكتاب والمفكرين والأدباء، وألصقتهم في وجوه ثقافتنا كرهاً، وألزمتنا بهم وحاصرتنا كتبهم في كل زاوية، وليس هذا الحصار فقط بين العرب، بل لقد شكَت إحدى المستشرقات وقالت: "إن أدونيس لم يـقـل شـيـئـاً ولكن اللوبي الأدونيسي هو الذي أعطاه الأهمية" ! . 
هذا الجيش الدعائي من وراء كتاب صغار أو مغالطين كبار هو الذي أعطاهم أهمية كبرى في عالم الكتاب العربي . 
قال أحد القراء لقد رأيت كتب أركون ولفت انتباهي الدعاية الكبيرة لها؛ فذهبت مع القوم واشتريت منها وقرأت الأول والثاني فما أحسست بفائدة ولا ساعدني الفهم، وقلت كاتبٌ متعِبٌ، ولكن زادت الدعاية للرجل فقلت في نفسي: النقص في قدرتي على الدراسة والفهم، وسكتُّ وخشيت أن أقول لأحد: لا أفهمه، حتى إذا كان ذات يوم جلست إلى قارئ وكاتب قدير وتناول كتاب "تاريخية الفكر العربي الإسلامي" وقال: لقد حاولت أن أفهم هذا الكاتب أركون فما استطعت، فكأنما أفرج عني من سجن وقلت: رحمك الله أين أنت فقد كنت أبحث عن قارئ له يعطيني فيه رأياً، لا الذين أكثروا من الدعاية له دون دراية . 
وحتى لا تضر بنا المبالغة في هذا إليك نموذجاً للدعاية الأركونية: علق هاشم صالح مترجم أركون إلى العربية في آخـر كـتاب "الفكر الإسلامي نقد واجتهاد" يقول هاشم: بعد أن تركت محمد أركون رحت أفكر فـي حجم المعركة التي يخوضها بكل ملابساتها وتفاعلاتها، وهالني الأمر فكلما توهمت أن حدودها قد أصبحت واضحة محصورة، كلـما اكتشفت أنها متشابكة معقدة، شبه لا نهائية. هناك شيء واحد مؤكد على أي حال : هو أن محمد أركون يخوض المعركة على جبهتين جبهة الداخل، وجبهة الخارج، جبهة أًصوليي المسلمين، وجبهة أصوليي المستشرقين: 
وسوى الروم خلف ظهرك ... روم فعلى أي جانبيْك تميل ؟ (1) . 
هذا مثل مما يفعل هذا المترجم، وقد يفاجئك مراراً بالمدح في وسط الكتاب أو في المقدمة أو في الهامش (2) أو في لقاءاته مع أركون التي تمثل جزءاً كبيراً من أعماله؛ فهذه طريقة في الكتابة جديدة إذ يُجري المترجم حواراً حول أفكار أركون بعد كل فصل أو في آخر الكتاب كما في "الفكر الإسلامي قراءة علمية" ، أو "الفكر الإسلامي نقد واجتهاد". 
أثناء قراءة أعمال أركون قد تصادفه ينقد مدرسة عقائدية أو فقهية، ويحاول أن يقول إنها خرافة، وأسطورة دغمائية كما يحلو له أن يكرر، وتقول : لعله ينصر المدرسة الأخرى، فهو إما شيعي أو خارجي، ثم يخرج عليك في صفحة أخرى وهو يعرض بعدم معقولية فكرة الإمامة لدى الشيعة (3)، ثم في مكان آخر لا يتفق مع الإسلام السني المتزمت في نظـره (4) علماً أن السني عنده هم الأشاعرة، وأما أحمد وابن تيمية فيدعوهما حنابلة متزمتين . 
وتحاول جاهداً أن تقف تماماً على ما يريد فإذا هو متناقض لا يؤمن بشيء ولا يرى أن لهذا العلم أو التراث الإسلامي أي مكانة إلا في عين المدارس النقـدية الغربية؛ فما أقرته فهو الحق والمحترم - كنص للدراسة ليس أكثر من نص بشري قابل للأخذ والعطاء - وما لا تقره المكتشفات الأسلوبية اللغوية الاجتماعية والنفسية المعاصرة فإنه لا يرى إقراره والاهتمام به لقدمه وتخلفه عن العصر . 
ولعل كتاب "الفكر العربي" أول كتبه المترجمة إلى العربية وفيه تلخيص غامض لجُل ما قال في الكتب الأخرى ، وأشار فيه بكثير من التحفظ إلى آرائه في القرآن والسنة والشيعة والحداثة والتجديد . 
عند أركون أهداف واضحة لمن يستقرئ أعماله ويصبر على التزوير والمراوغة واللعب بالكلمات في غير معانيها حتى يحصل على هدفه الكبير من كل مشروعه وسيأتي بـيان الهدف بعد ذكر وسائله إليه . 
* الوسائل: 
أول وسائله نقد الكُتاب الإسلاميين الذين ليست لهم صلة بالمدارس الغربية في الفكر، والذين ليس لهم إلمام بعلوم اللسانيات والاجتماع والنفس والنظريات التي خرجت -فيما يرى- بعد الخمسينات من هذا القرن الميلادي، وبالتالي يطالبهم بالمشاركة والدراسة لمستجدات النظريات الإنسانية الغربـية، ثم هو يستخدم نظريات ميشيل فوكو في مسائل المعرفة والسلطة، ويرى تاريخية المعرفة وبكوْنها قابلة للتغيير والتطوير والشمول، وأهم جوانب المعرفة التي يتحدث عنها المعرفة الديـنـيـة بـكـل أبـعـادها ، ويرى اعتبار المعرفة الإسلامية نموذجاً أسطورياً لابد أن يخضع للدراسة والنقاش -كما سيأتي- ويرى المجاهرة باعتبار العلوم الإسلامية سياقـاً مـعـرفـيـاً أسطورياً يزعج المسلمين ويهز إيمانهم، ولكن لابد -كما يرى- من بناء مفاهيم جديدة مستمدة من الاحتياجات الجديدة كما فعل السلف، ويرى أن هناك مناطق عديدة في الفكر الإسلامي لا تمس ولا يفكر فيها مثل مسألة عثمان -رضي الله عنه- وقضايا جمع القرآن، والـتـسـلـيـم بـصحـة أحاديـث الـبـخاري والموافقة على الأصول التي بناها الـشـافـعـي، ويـرى أنه يـضـع أساساً للاجتهاد وعقلانية جديدة (5) ، وهو يرى أن الوعي الإسلامي قد انشق فيما بـيـن الـسنة والشيعة ، والوسيلة عنده ليست بالتوفيق بين الجانبين ولا الانتقاء منهما إنما الوسيلة نـقـد الطرفين وهو يعتنق "النقدية الجذرية" للطرفين وإسقاط كل الحجج التي بأيدي الجمـيع ، وبالتالي فإن النص السني مغلوط ومزور والنص الشيعي نص العدالـة والـعـصـمـة مـغـلـوط ومـزور وأسـطـوري، والمطلوب أن يتحرر كل من الفريقين من نصه فيتوحدان (6) . 
* الأهداف : 
من أهم ما يهدف له أركون في كتاباته المـكـررة والمملة نزع الثقة من القرآن الكريم وقداسته واعتباره نصاً أسطورياً (7) قـابـلاً للـدراسـة والأخذ والـرد. وهو يغالط كثيراً في معنى كلمة "أسطورة" ويقول : إنه يعاني من صعوبة هذه الكلمة على أسماع العرب الذين يربطون بـين هذه الكلمة وبين الأكذوبة أو الخرافة، لكن ما هي الكلمة التي يستخدمها أركون في تعبيره عن القرآن باللغة الفرنسية التي يكتب كل كتبه بها . 
إنه استخدم كلمة MYTHEوبالإنجليزية MYTHوكلتا الكلـمـتـيـن تعني الخرافة أو الحكاية والكلمتان جاءتا من الكلمة الإغريقية MUTHOSوهي تـعني في جميع اللغات الأوربية حكاية خرافية شعبية تتحدث عن كائنات تجسد - بصورة رمزية - قوى الطبيعة والوضع الإنساني (8) . 
ثم إذا سلم بهذه الأسطورة - بزعمه - فإنها أولاً لم تصلنا بـسـند مـقـطـوع الـصـحـة؛ لأن القرآن -كما يقول - لم يُكتب كله في حياة الرسول - صلى الله عـلـيـه وسـلـم - بل كُـتب بعض الآيات ثم استكمل العمل في كتابة القرآن فيما بعد (9) وهذه من الـمـغـالـطـات الـتـي يسوقها أركون بكل سهولة ويخلط فيها ما بين قـضـيـة الجمع وقـضـية الكتابة ، وبزعم أن الظروف السياسية هي التي جعلت المسلمين يـحـافـظـون فـقـط على قرآن واحد ويتركون ما عداه (10) . 
ومن أجل أن يمهد لما يريد من إنكار القرآن سنداً في أول الأمـر يدخل بعد ذلك إلى نصوص القرآن فيشكك في القصص والأخبار ويرى أن التاريخ الواقـعـي المحسوس هو الذي يحاكَم إليه القرآن، فالأخبار والآثار التاريخية هي الـمـوثـوقـة! 
ولـنقرأ له هذا النص الذي يجد القارئ في كتبه كثيراً مثله، يقول: 
"ينبغي القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمغالطات التاريخية التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس" (11) . 
ويرى أن القرآن عمل أدبي لم يدرس كما يجب إلا من قِبَل ندرة أهمهم عنده "محمد أحمد خلف الله" عندما كتب عن القصص الفني في القرآن وقال إن القصة الـقرآنـيـة مـفـتـعـلـة، ويتحسر على عدم استمرار "خلف الله" ويذكر أن الأسباب التي لم تمـكـن "خلف الله" في عمله أنه راعى الموقف الإسلامي الإيماني أولاً، وثانـيـاً: لنـقـص المعلومات. 
إذن فقد آل الأمر إلى أركون الذي سيهاجم القرآن؛ لأنه لا يراعي الموقف الإسلامي الإيماني لأنه مطلع على الأبحاث الجارية. ومع زعمه أنه يعرف الأبحاث الجارية التي كتبها فوكو والحاخام دريدا؛ فإنه يظهر للقارئ بـشـكـل يجعله لا يثق في قدرة أركون ولا أنه فهم ما زعم فهمه من قضايا المعرفة ونقد اللاهوت ونـظريات البنيوية وما بعدها (12). 
ويعاني في عرضه للأقوال من عدم التوثيق أو القول الصحيح لما يـنقـل؛ إذ يقلب كل قضية قرآنية أو تفسـيريـة أو سـيـاق لعلم حتى يفـسد المعنى ويلويه إلى ما يريد كما مر معنا في مسألة كتابة القرآن، ومثال آخر يعرِّف الوحي بـقـولـه: "إنـه يـُدعَى بالتنزيل أي الهبوط من فوق إلى تحت" (13). 
* معاني القرآن: 
لو تجاوزنا قضية شكه في القرآن وردّه للسنة من باب أَوْلـى فـمـاذا يـفـسر به القرآن وكيف يفهمه، إنه يـقـول: "إن الـقـرآن -كما الأناجيل- لـيـس إلا مـجـازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانوناً واضحاً، أما الوهم الكبير فهو اعتقاد الناس -اعتقاد الملايين- بإمكانية تحويل هذه التعابير المـجـازية إلى قـانون شغال وفعال ومبادئ محدودة تطبق على كل الحالات وفي كل الظروف" (14) . 
ويقول في موضع آخر : 
"إن المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية سوف تُتلقَّى بصفتها تعابير أدبية ، أي تعابير محورة عن مطامح ورؤى وعواطف حقيقية يمكن فقط للتحليل التاريخي السيولوجي والبسيكولوجي اللغوي - أن يعيها ويكشفهما" (15) . 
ويفصل أركون بين القرآن والشريعة ، فالقرآن عنده "خطاب مجازي يغذي التأمل والخيال والفكر والعمل ويغذي الرغبة في التصعيد والتجاوز ، والمجتمعات البشـريـة لا تـسـتـطـيـع العيش طيلة حياتها على لغة المجاز" () ولكن هناك البشر المحسوسون العائشون - كما يقول - في مجتمع وهناك أمورهم الحياتية المختلفة التي تـتـطلب نوعاً من التنظيم والضبط وهكذا تم إنجاز الشريعة (17) ثم يعقب بأن هناك مجالاً أسـطـورياً مـجـازيـاً وهـو مـجـال الـقـرآن، ومجال آخر واقـعـي للناس هو مجال الشريعة ويقول: "إنه وهم كبير أن يـتوقع الناس علاقة ما بين القرآن والشريعة التي هي القوانين الـشـرعـيـة وأن الـمـنـاخ الـمـيـثـي (الأسطوري) الذي سيطر على الأجيال السابقة هو الذي أتاح تـشـيـيـد ذلك الوهم الكبير، أي إمكانية المرور من إرادة الله المعبر عنها في الكتابات المـقدسة إلى الـقـوانـيـن الـفـقـهـيـة (الشريعة) وحجته في ذلك ما يلي : في الواقع أن هناك أنـواعـاً مخـتـلـفـة مـن الكلام (من الخطاب) وهناك فرق بين خطاب شعري أو ديني، وخطاب قانوني فقهي أو فلسفي ، ولا يمكن لنا أن نمر من الخطابين الأولين إلى الخطابات الأخرى إلا بتعسف واعتباط"(18) ألا ترى أنك يا أركون قد استطعت أن تمرق من الخطابين. 
* مكانة السنة عنده : 
ليس هذا مجالاً لمتابعة هذه الأقوال والرد عليها، فيكفي هنا التعريف بمعالم فكره بما فيها جرأته على الشك في ثبوت وصول القرآن إلـيـنـا ، وجرأته على نفي الحديث والزعم بـأن الظروف السياسية وأوضاع المجتمعات التي انـتـشـر فـيـهـا الإسلام احتاجت إلى أحاديث وقال: "إن السنة كُتبت متأخرة بعد موت الرسول -صلى الله عليه وسلم- بزمن طـويـل وهذا ولَّد خلافات. لم يتجاوزها المسلمون حتى اليوم بـيـن الـطـوائـف الـثـلاث الـسـنـيـة والشيعية والخارجية، وصراع هذه الفرق الثلاث جعلهم يحتكرون الحديـث ويـسـيـطـرون عليه لما للحديث من علاقة بالسلطة القائمة"(19) . 
وهو يرى أن الـحـديـث هــو جـزء مـن التراث الذي يجب أن يخضع للدراسة النقدية الصارمة لكل الوثائق والـمـواد المـوروثة كما يسميها (20)، ثم يـقـول: "وبالـطـبـع فـإن مـسـيـرة الـتـاريخ الأرضي وتنوع الشعوب التي اعتنقت الإسلام - قد خلقت حالات وأوضاعاً جديدة ومـسـتـحـدثـة لـم تـكـن مـتـوقعة أو منصوصاً عليها في القرآن ولا في الحديـث، ولكي يـتـم دمجها وتمـثلها في التراث فإنه لزم على المعنيين بالأمر أن يصدقوا عليها ويقدسوها إما بواسطة حـديـث للنـبي ، وإما بواسطة تقنيات المحاجة والقياس" (21) . 
الشريعة والحياة تلك هي مكانة الشريعة عنده وهذه مكانة أحاديـث الـرسـول - صلى الله عليه وسلم - إذ لا يرى أي تشريع جاء به الـقـرآن، وأن الـقـرآن خـطـاب أدبي عاطفي لا علاقة له بـالـحـيـاة، والـشـريعة ضرورة اجتماعية أملتها ظروف المجتمع وحاجة الناس، وهي في مجموعها تراث إذا قـابـلـت في الطريق ثقافة مجتمع آخر أو استجد شيء فإن هذا الجديد يدمج في هذا التراث بواسطة حديث أو قياس ، وهو يناقض نفسه تماماً ، إذ لو لم تـكـن الـشـريـعـة من غير هذين المصدرين كأساس لما سعى المعنيون بالأمر - كما يسميهم - لفعل ما كذبه عليهم. 
وهذا مـثـال واحد كبـيـر من الـغث والانحراف والكفر الذي يملأ به كتبه، كله يناقض بعضه بعضاً، وكفاه زوراً أو جرأة على كتاب الله قوله : "وليس في وسع الباحثين أن يكـتفـوا اليوم في الواقع بالتكرار الورع للحقائق الموحى بها في الجزيرة العربية في القرن السادس والتي طُرحت مـنـذئـذ على أنها بآن واحد مما يمكن تعريفه واستخدامه وأنها متعالية"(22) . 
وهو يرى أن الباحـثـيـن - يعـنـي نـفـسـه ومَن تابعه - (إذ حتى كبار الكفار من المستشرقين لم يحملوا على القرآن والسنة والأمة كالحملة التي يقودها أركون ولم يستطيعوا القول بكل هذه الافتراءات في آن واحد) لا يسعهم تـطـبـيـق الـقـرآن لأنه نـزل في الـجـزيـرة فـي ذلـك الـزمـن الـقـديـم، وهـو لا يرى نفسه وهو يقدس ويستسلم لبقايا قوانين الرومان، بل ويحاسب الإسلام على أفكار فـوكـوه هل تـتطابق معها أم لا ، ويقول في نفس الوقت بأن القرآن حقائق، وقد سبق أن قال إنه مجازات عالية وقد أجمع القائلون بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نـفـيـه ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر (23)، علماً بأن المجاز بالأسلوب الذي يريده أركون أبعد بكثير من المجاز الذي حدث فيه الخلاف بين المسلمين والذي قال فيه الشنقيطي إن وروده في القرآن غير صحيح ولا دليل يوجب الرجوع إليه من نقل ولا عقل ونحن ننزه القرآن على أن نقول فيه مجاز بل نقول كله حقائق (24) . 
ونقل الشنقيطي عن عدد من العلماء عدم جواز المجاز في اللغة أصلاً فضلاً عن القرآن وهو -أي الشنقيطي- ممن يرى هذا، وأركون لا يرى أن آيات الأحكام هي المجاز، ولا آيات الصفات كما قال بعض السابـقـيـن الـمخالفـين لأهل السنة، لكنه يرى كل القرآن مجازات عالية، ومرة يقول متعالية أي تكون بعيدة عن المجتمع سياسة واقتصاداً واجتماعاً، إنما تهذيب روحي لا علاقة له بالدنيا. 
وليس هذا مكان الحديث عن المجاز ولا الخلاف فيه. لكن جاء بمناسبة خلط أركون وتناقضه؛ إذ يقول: القرآن حقـائـق نزلت قديماً ثم يرجع ويقول مجازات عالية. إن أركون يهدم كل شيء ولا يقيمك على سنن ولا يثق بأحد ولا بعلم أحد، فهو يسخر من كل مَن سبقه حتى يسخر من الطبري ومن طريقته في التفسير. وما دام قد اجـتـرأ عـلـى كـتاب الله وسنة رسوله كل هذه الجرأة فماذا يتوقع القارئ عن غيرها. وهـنـاك جـوانـب عـديـدة يستنكرها كقضايا الثواب والعقاب والبعث بعد الموت (25) . ويـرى فـي آيات الـقرآن التي تحدثت عن الجنة وثوابها سياقات شعرية ، وأيضاً يرى رمزية العذاب . 
* خلاصة : 
يرى أركون أن القرآن والكتب السابقة تعاني من سياق واحد ، ويضع القرآن مع الأناجـيل في مستوى من الثبوت والدراسة واحد ، ويرى أهمية النقد والتجديد. وعمله هذا النـقـدي السلبي النافي - الذي يمسخ كل الحقائق وكل المعاني- لا يمكن بحال أن يـكـون مـذهـبـاً فكرياً بديلاً ؛ بحيث يحل محل شيء من الفرق أو الجماعات التي وجدت عـلـى الساحة الإسلامية وليس بأسلوب يمكن قبوله من قِبل السنة أو الـشـيـعـة؛ ذلك أنه يلـغي الجميع ويرى العدمية(26) التي يقدمها هي البديل أو التجديد ، فالشك والجحود بـكـل شيء لن يكون أبداً بديلاً للإيمان ، إذ هذا العدم لا يكون ديناً ولا يبني خلقاً . 
وهو يرى - مع هذا - ضرورة النظام في حياة الناس ويرى أهمية القوانين وهذه القوانين عنده تـنشئها الضرورة الاجتماعية ، لكن أي مجتمع وأية قوانين ، أما المجتمع فلا يرى أركون أن يكون للإسلام سلطة علـيـه؛ لـذا فـلـيـس للإسلام أن يسن أي قانون في ذلك المجتمع إذ ليس للإسلام في نظره أي قانون ولا علاقـة بـالـوجـود ، وهـو قد بذل وعصر كل سمومه وآفات الملحدين في الغرب لينكر المصادر أولاً ثم لو افترض إثـبـاتها فليس لها حقائق ولا معاني تمس الناس ، ثم إذا فهم منها معاني فتلك المعاني جاءت للحاجة والضرورة ؛ لأنه لم يكن هناك قوانين في المجتمع. 
وقد علق أحدهم على نمط تفكـيـر أركون وأسلوب تعامله مع النصوص فقال : إن تجديدية أركون هي تجديـديـة عدمـيـة ولا نحسب أن مسلماً عاقلاً يهتم لقراءة أركون النافية (27) وهذا ملخص لبحث مطول يتناول كتب ومقالات أركون ، ومع أن أعماله غير معقولة لكن - ويا لَلأسف! - إن الذي يـتـحكم في سلوك وأفكار العالم الإسلامي اليوم هو (اللامعقول) لهذا يحتاج إلى بيان . 

محمد أركون ... بقلم كاتب ماركسي من موقع الحوار المتمدن


يعتبر المفكر محمد أركون، صاحب أحد المشاريع الفكرية و المعرفية التي حاولت استنطاق الجذور
التاريخية «للعقل الإسلامي».وقبل الخوض في مشروعه ،سنحاول إعطاء نبذة عن حياته.
محمد أركون باحث ومؤرخ ومفكر جزائري، ولد عام 1928 في بلدة تاوريرت ن ميمون(آث يني) بمنطقة القبائل الكبرى الأمازيغية بالجزائر، ;و انتقل مع عائلته إلى بلدة عين الأربعاء(ولاية عين تموشنت) حيث درس دراسته الإبتدائية بها. وأكمل دراسته الثانوية في وهران، إبتدأ دراسته الجامعية بكلية الفلسفة في الجزائر ثم أتم دراسته في السوربون في باريس.عُين محمد أركون أستاذا لتاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة في جامعة السور بون عام 1968 بعد حصوله على درجة دكتوراه في الفلسفة منها، وعمل كباحث مرافق في برلين عام 1986 و 1987. يشغل ومنذ العام 1993 منصب عضو في مجلس إدارة معاهد الدراسات الإسلامية في لندن.
وقام بترجمة مشروعه الكاتب والمترجم السوري هاشم الصالح.
كما تطرقنا أنفا،أن مشروع محمد أركون يندرج ضمن المشاريع التي تسعى إلى سبر أغوار العقل الإسلامي في بعده التاريخي والانتروبولوجي.
يقول محمد أركون في كتابه قضايا في نقد العقل الديني« إن مشروعي في نقد العقل الإسلامي يتمايز عن كل معداه في ما يخص هذه النقطة الأخيرة.فأنا أهدف إلى نقده بطريقة تاريخية ،وليس بطريقة تأملية،تجريدية سكولاستيكية،إن مشروعي هنا ينخرط ابستمولوجيا في العمق، بل وفي عمق العمق،ويختلف بالتالي عن كل مشاريع تاريخ الفكر التي لا تشمل هذه النقطة الأخيرة».
يقصد محمد أركون ان العقل الإسلامي ليس إلا صيغة ما من صيغ العقل لزماني المحسوس، انه ليس عقلا أبديا أو أزليا وإنما عقل تاريخي له نقطة تشكل وبداية ونهاية، مثله مثل أي عقل يتشكل في التاريخ.
ويعتمد أركون في مشروعه هذا على ما يسمى« بالإسلاميات التطبيقية» وهي منهجية علمية معرفية متعددة المناهج تتوسل ترسانة من العلوم الاجتماعية والإنسانية مثل علم الاجتماع،علم النفس التاريخي،الانتروبولوجيا،علم اللغة الالسنيات ،ويتحدث محمد أركون حول منهجيته «الإسلاميات التطبيقية» يقول.....«إن الإسلاميات التطبيقية هي ممارسة علمية متعددة الاختصاصات.وهذا ناتج عن اهتماماتها المعاصرة،ومن جهة نظر ابستمولوجية،فان الإسلاميات التطبيقية تعلم بأنه ليس هناك من خطاب أو منهج بريء إنها في كل مساراتها تعددية المناهج الفاحصة من اجل تجنب أي اختزال للمادة المدروسة».
ومن خلال هذا التعريف الذي قدمه محمد أركون حول منهجيته،يتبين أنها منهجية صارمة تسعى إلى استنطاق تاريخية العقل الإسلامي بكل موضوعية علمية، متوسلا أحداث البحوث العلمية المعاصرة،وهذا ما دفع المفكر لبناني علي حرب في« كتابه الممنوع والممتنع» إلى القول « فلا نتاج جديد إلا ويكون أركون السباق إلى عرضه واستخدامه».
إن « الإسلاميات التطبيقية» تسعى إلى نقد العقل الإسلامي باعتباره عقلا« دوغمائيا»، وهذا العقل هو عقل الإنسان المسلم اليوم الذي ليزال منغلق داخل« السياج الدوغمائي المغلق»،وهو مصطلح من اختراع محمد أركون ويقصد به السياج المشكل من العقائد الإيمانية الخاصة بكل دين والتي أبقيت بمنأى عن كل تفحص نقدي أو علمي،بسبب الرفض من قبل المؤمنين التقليديين ،وهذا الرفض يأتي من اعتقاد المؤمن التقليدي بأن تراثه مقدس ويعلوا على التاريخية،وفي هذا يقول أركون« يعلم الباحثون في العلوم الإنسانية أن الفاعلين الاجتماعيين𪱆( البشر) يلجأ ون باستمرار إلى عمليات نزع الصبغة التاريخية عن تراثهم من اجل أن يتماشى ماضيهم الديني،الثقافي،والسياسي،مع همومهم ومشاكلهم في الوقت الحاضر».
وهذا ما نلامسه عند الحركات الأصولية الاسلاموية، التي تخلط بين السياسي والديني ،باعتبار أن الإسلام صالح لكل مكان وزمان،وتنزع عنه بعده التاريخي وسياقه التاريخي الذي ساهم في بلوراته،وهذه الوثوقية نتاج تراكم قرون من« المستحيل التفكير فيه واللا مفكر فيه »في« العقل الإسلامي» وهذان المفهومان اعتمد عليهم أركون لتبيان حجم التراكم الهائل الذي أحدثته القرون ،بدون وضع هذا العقل أمام مشرحة النقد «لتفكيكي والاركيولوجي »وهذا التراكم ما هي إلى تلك التفسيرات اللاهوتية التي كانت تقدم باعتبارها الحقيقة المطلقة للجمهور،من طرف رجال الدين ،الذين يحرسون على احترامها من طرف المسلمين،ويوجه أركون نقده إلى الطريقة التي يشتغل بها «العقل الإسلامي» يقول«إن الطريقة التي يشتغل بها العقل الإسلامي تكمن في كونه يخلط بين الأسطوري والتاريخي،ثم يقوم بعملية دوغمائية للقيم الأخلاقية والدينية،وتأكيد تيولوجي لتفوقية المؤمن على غير المؤمن،والمسلم على غير المسلم ،وتقديس اللغة،ثم التركيز على قدسية المعنى المرسل من قبل الله ووحدانيته معنويا،هذا المعنى الواضح والمنقول عن طريق الفقهاء،بالإضافة إلى عقل ابدي فوق تاريخي لأنه مغروس في كلام الله» .
ويقول الكاتب الجزائري فارح مسرحي في هذه النقطة في كتابه الموسوم «الحداثة في فكر محمد أركون» «....ولما كان أركون يعتمد بشكل خاص على المنهجية الحفرية الاركيولوجية التي تبحث عن آليات الخطاب في تشكيل المعنى وتتجاوز منطوق الخطاب للبحث عن مضمراته والكشف عن آليات اشتغاله،بأننا نستطيع العودة إلى الوراء شيئا فشيئا انطلاقا من لحظة الخميني ،والإخوان المسلمين ثم الإصلاحيين السلفيين في القرن التاسع عشر ثم الحركة الوهابية ثم كبار المفكرين الإصلاحيين كابن تيمية والغزالي والشافعي وجعفر الصادق والحسن البصري.والهدف من هذه العودة هو الوصول إلى البنية العميقة المشكلة والموجهة للفكر الإسلامي،ومعرفة المبادئ التي تأسس عليها العقل الإسلامي في السابق،والتي لا يزال يرتكز عليها الخطاب الإسلامي المعاصر».
من خلال هذا يتبين أن العقل الإسلامي المعاصر، مازال يجتر ويكرر نفس العقل القروسطوي،الذي تم اغلاقه من طرف علماء اللاهوت،ابتدأ من القرن العاشر الميلادي ،وهذا العقل القروسطوي ماهي إلى تلك التفسيرات والتأويلات التي قدمت إلى العامة باعتبارها التعبير الأسمى عن كلام الله ،وتعتبر رسالة الشافعي المحاولة الأولى لتأسيس مايسمى بأصول الفقه،فهذه الرسالة تعتبر بداية تشكل العقل الإسلامي التي أسست آليات اشتغاله،والتي تتضمن النظام الذي يحكم الفكر الإسلامي،عن ذلك يقول محمد أركون،«...إن الخطاب القرآني وسيرة النبي وسيرة علي والأئمة عند الشيعة،قد استنبط منها نسق تفكير متسم بفكرة الأصول ومازال هذا النسق موجها للفكر الإسلامي إلى يومنا هذا ،ورغم احتكاكه بنسقات أخرى(الفلسفة اليونانية ،الفكر الحديث)إلا آن النسق الأصولي يبقى اشد نفوذا وأوسع انتشارا».
واخيرا يمكن اعتبار مشروع محمد اركون الفكري ،نموذجا للمشاريع الفكرية والمعرفية العميقة،التي تحاول فك الصعوبات والعقبات الابستمولوجية التي تحايث "العقل الاسلامي"والتي لابد من زحزحتها او ازالتها لكي يتم هذا التواصل.فالمعرفة الصحيحة لا يمكن ان تنهض الا على انقاض المعرفة الخاطئة،كما كان يقول الابستيمولوجي الفرنسي غاستون باشلار.

حريـّة العقـل في القراءة والإبـداع .. السيد محمد حسين فضل الله



عندما ندرس حركة المستقبل في نشاطات الأمة بشكلٍ عام، وفي تطلعات الإسلام، فإننا نستوحي من القرآن الكريم، في مفاهيمه التي تعبر عنها آياته، أنه يخطط لصنع العقل الإنساني الذي ينفتح في أول انطلاقاته على آفاق معرفة الله تعالى؛ خالق السموات والأرض والإنسان، ومبدع النظام الكوني بكل أسراره الإبداعية التي تمثّل عمق العناصر التي يرتكز عليها الكون كله، على أساس أن الله تعالى جعل لكل شيء قدراً {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر:49]، فليس هناك في الكون أيّة صدفة، حتى ما يعتبره الناس في حياتهم الخاصة وفي أوضاعهم العامة صدفةً، فإننا عندما نتعمّق فيه، نجد أنه خاضع نظام معيّن يتمثّل بالظروف الخفية أو البارزة التي تحيط بالإنسان وبالواقع.
والقرآن الكريم إنّما يستهدف صنع العقل الإنساني، حتى يرتفع هذا العقل إلى مستوى الانفتاح على الله فيما يمكن أن يعرفه منه، لأن العقل الإنساني لا يستطيع أن يقتحم ذات الله، فهي ليست تحت الحسّ أو تحت التجربة حتى يعمل الإنسان على أساس اكتشافها، ولكننا نعرف الله من خلال ما تحدّث به عن نفسه، ومن خلال خلقه وآياته في الكون {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [فصّلت:53].
لذلك يخطط القرآن الكريم في المنهج الإسلامي لصنع العقل وتنميته وتطويره ومنحه الحرية، لأن الله سبحانه وتعالى لم يمنح الحرية المطلقة لأعضاء الإنسان، بل جعل لكل عضو حدوداً لا يجوز له أن يتجاوزها، سواء في العينين فيما ينظر إليه، أو في الأذنين فيما يسمع بهما، أو في يديه ورجليه وكل أجهزة جسمه، حيث جعل الله لكل واحدٍ من هذه الأعضاء حدوداً، ولم يطلق الحرية المطلقة إلا للعقل، فالإسلام أعطى للعقل حريته في أن يفكر في كل شيء، ولم يجعل له آفاقاً ضيّقة يحشر في داخلها، بل إننا عندما نقرأ القرآن الكريم وندرس الآيات التي تذكر العقل، نجد أنه يقحم العقل في كل أوضاع الكون الإنساني؛ في تطلعات الإنسان في نفسه، وفي الكون من حوله.
فالله تعالى قال للعقل كُن حراً، فكّر في ما تريد، ليست هناك حدود لتفكيرك، فكر في الله، فكر في كل ما يقوله الآخرون وما لا يقولونه، ولكن تحمّل مسؤولية فكرك، بحيث تجعله ينطلق في الخطوط التي يمكن لها أن تنتج النتائج الإيجابية وأن تصل إلى الحقّ، لأنّ كل إنسان سيقف غداً بين يدي الله تعالى ليقدّم حساب عقله قبل أن يقدم حساب جسده، لأنّ أيدينا وأرجلنا وجلودنا وألسنتنا ستشهد علينا يوم القيامة، أما العقل فعلينا أن نقدّم شهادتنا عنه أمام الله، كيف فكر وعلى أي أساس، وما هو منهجه، وكيف وصل إلى هذه النتيجة الإيجابية أو تلك النتيجة السلبية؟
والعقل ينتج العلم، سواء كان العقل التأملي أو التجريبي، لأن التجربة وإن كانت تتحرك بالحسّ، إلا أنّ الحسّ لا يمكن أن يعطي الفكرة إلا من خلال العقل الذي يمد هذه التجربة المحدودة إلى كل ما يماثلها، كما ورد في الفكرة الفلسفية: إن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.
على ضوء هذا، لا بدّ من أن يكون لنا عقل يتحرك في إنتاج العلم والفكر، ويحرك تأملاته في الآفاق، ويطلق تجربته في الواقع الذي يعيشه الإنسان، ومن هنا يأتي دور القراءة؛ القراءة في الكون، لأن الله أراد لنا أن نقرأ في كتاب الكون الذي يتمثّل بالظواهر الكونية، لنتعرف من خلاله النظام الكوني، حتى نتمكّن من فهمه وإيضاح معالمه، ولنفهم ما يختزنه من أسرار، من أجل أن نمنح الإنسان من خلال هذا التدقيق في أسرار الكون شيئاً جديداً يتصل بكل جوانب حياتنا، سواء في ما يتعلق بالمرض والعافية، أو في ما يتعلق بحركة الإنسان في تطوير المادة أو في ما يتعلّق بكلّ أوضاع الحياة...
ومن هنا يأتي دور القراءة، باعتبار أن القراءة تعطينا وعي ما أنتجه الآخرون، من خلال ما أطلقوه من تأملات وما قاموا به من تجارب، ومن الطبيعي أن تكون هذه القراءة قراءةً واعيةً مفكرةً علميةً لا تحدّق في الكتاب تحديقة ساذجة، بل تحاول أن تدرس ما في الكتاب، لتنقد ما ينبغي نقده، ولتقبل ما يمكن قبوله، لأن الآخرين قد يخطئون في تأملاتهم عندما يتأملون، وقد ينحرفون في تجاربهم أو في استنتاج التجربة عندما يجربون.
فنحن لا بد لنا من أن ننطلق بالقراءة والمطالعة لنستجمع كل ما انطلق به المبدعون والمفكرون، فنجمع كل ثقافتهم لنصنع ثقافةً جديدةً، وليس علينا أن نتوقف أمام الأجيال التي سبقتنا من المفكرين، بل علينا أن ننشىء أجيالاً جديدة تفكر بطريقة علمية، وتعمل على أساس أن تضيف إلى النتاج الثقافي الماضي نتاجاً ثقافياً معاصراً من أجل الانفتاح به على المستقبل، وخصوصاً في المسألة الإسلامية، وقد سمعنا بعض المفكرين المسلمين يقولون إنّ المسلمين قد توقفوا عن إنتاج الفكر بعد ابن رشد وابن خلدون.
ولكننا نعتقد أن هناك خطاً في هذا الموقف، لأن الفكر الإسلامي لا يتوقف، ربما نجد في هذا الفكر الإسلامي أن هناك عمقاً في تجربة معينة أو سطحاً في تجربة أخرى، ولكننا نملك الكثير من القمم الفكرية الفلسفية، كصدر الدين الشيرازي وغيره، حتى في بعض التجارب الموجودة الآن في مصر وفي إيران وما إلى ذلك، ما يدل على أن هناك فكراً إسلامياً تختلف درجاته أو آفاقه أو نتائجه في المقام.
إن علينا أن لا نقرأ القراءة الساذجة التي تستظهر الأمور استظهاراً، بل علينا أن نقرأ القراءة العلمية الواعية المبدعة، لنقدّم نتاجاً ثقافياً علمياً جديداً، وليكن اهتمامنا بالغذاء الثقافي في قراءاتنا تماماً كما هو الغذاء المادي، فكما أن علينا أن لا ندخل في أجسامنا ما يربك صحتها أيضاً، علينا أن لا ندخل في عقولنا ما يربك أيضاً الصحة العقلية. لذلك علينا أن نجعل الإنسان العربي، والإنسان المسلم، والإنسان بشكلٍ عام، يعيش مسؤولية الثقافة، لينمو عقله نمواً ثقافياً، حتى إننا نقول إنه لا بد من أن نثقِّف أحاسيسنا وعواطفنا، وأن نثقّف انفعالاتنا، وأن نثقف كل حركتنا في الحياة.
وعلينا أن نكف عن الانحناء بعقولنا لأي جهة من الجهات مهما كبرت، سواء كانت جهات قيادية أو مرجعية أو ما إلى ذلك، بل علينا أن نكتشف نقاط الضعف في القيادات كما نكتشف نقاط القوة فيها، لأنه ليس هناك في غير عالم المعصومين قيادة معصومة، ولذلك فإن علينا أن نعوِّد القيادات على أن تتقبل النقد، وأن نعوّد أنفسنا أنّه لا مقدّس في النقد، إذ يمكن أن تقدَّس أعلى المرجعيات الدينية، ويمكن أن تُنقَد أعلى المرجعيات الدينية والمرجعيات الثقافية والمرجعيات السياسية.
لقد خلق الله الإنسان حراً في عقله وحراً في علمه وحراً في حركته، وعلينا أن لا نستعبد أنفسنا لأحد، فالله وحده هو المعبود، وهو الذي منحنا الحرية، وسنقدّم حساب هذه الحرية بين يديه، ليجزينا الأجر على ما أصبنا، ويحاسبنا على ما أخطأنا فيه.

نظرية المعرفة في ضوء «الأسس المنطقية للاستقراء .. كتاب السيد الشهيد محمد باقر الصدر » الموقف المعرفي الجديد ... للأمانة منقول للفائدة



عالج فلاسفة اليونان وحكماء المسلمين الذين سيطروا على التفكير العقلي في الاسلام «مشكلة الاستقراء» بروح ‏واحدة، كما عالجها حكماء اوروبا المحدثون على الاغلب بروح اخرى، ورغم تعدد الوان المعالجة والمحاولة ظلت ‏نتيجة الدليل الاستقرائي احتمالية لا تتعدى الظن الى اليقين! حتى ورود «الصدر» هذا الميدان. لقد صدر الشهيد الصدر من هذا الميدان، خالصا الى عقم معالجة الارسطيين والتجريبيين معا لمشكلة الاستقراء، ثم اعلن نهاية عهده‏ الاحتمالي، مدللا على يقينية الاستقراء. لكن موضوع بحثنا ينصب على «المعرفة البشرية‏»، ولا يستقل في معالجة الدليل الاستقرائي منطقيا ورياضيا وفلسفيا.من هنا، فليس بوسعنا ان نعرض بالتحليل ل‏«الاسس المنطقية للاستقراء» بوصفه دراسة شاملة، انما يعنينا من هذه‏ الدراسة موقفها من المعرفة البشرية. لذا يتعين علينا بدءا ان نستل نظرية الشهيد الصدر في المعرفة من خلال كتابه‏«الاسس المنطقية للاستقراء» استلالا، من دون ان نخرج عن خطة بحثنا، ومن دون ان نستلها موجزين ايجازا لا يفي ‏بغرض البحث.
وينبغي ان ننوه بان الموقف المعرفي الجديد الذي طرحه الشهيد الصدر ينصب اساسا على المعرفة في طورها التصديقي، حيث تناول الدليل، وليس لهذا الطرح علاقة بالمعرفة التصورية.
اسس المدرسة العقلية في المعرفة البشرية يحسن بنا، قبل ان نعرض قصة المعرفة البشرية في ضوء «الاسس المنطقية للاستقراء»، ان نعرض النتائج والافكار التي ‏انتهت اليها، وتبنتها المدرسة العقلية في قضايا المعرفة البشرية، حيث نسجل من خلال ذلك ما انتهى اليه «اصول‏ الفلسفة‏» و«فلسفتنا» من اسس في هذا المجال:
المعرفة البشرية معرفة واقعية، تكشف عن واقع موضوعي بفضل المبادى الاولية التي يتوفر عليها العقل البشري قبل ‏التجربة، وان هذه المبادى الاولية اليقينية هي التي تمنح استدلالات العقل البشري اليقين، وبذلك تبتدى المعرفة من‏ الكل، «وهو عبارة عن هذه المبادى الكلية العامة‏»، ومن دون ان تنتهي المعرفة الى هذه المبادى لتستنبط بفضلها نتائجها لا يمكن الوقوف على صحتها والتيقن بها...
وهذه المعارف الاولية تنقسم الى قسمين رئيسين: احدهما ما هو شرط لكل معرفة بشرية، وهو مبدا الهوية الذاتية.والاخر ما هو شرط للحصول على بعض المعارف البشرية، كمبدا العلية، واستحالة ان يكون الاتفاق دائميا.
قصة «المعرفة البشرية‏»، في «الاسس المنطقية‏»، تبتدى من «مشكلة الاستقراء»، فهناك فجوة بين المفردات المستقراة،وبين الحكم العام، الذي يؤول اليه الاستقراء.
وقد حاولت مدارس المنطق المختلفة معالجة هذه الفجوة، تحت العنوان المتقدم: «مشكلة الاستقراء».
كيف صح الانتقال من المفردات المحدودة في الاستقراء الناقص الى قاعدة وحكم شامل، يصدق على الواقع ‏المستقرا، كما يصدق على ما عداه من مفردات لم تستقرا وهي قائمة، او انها ستقوم؟
لقد حدا هذا الاشكال بالمنطق الارسطي، بل بالمدرسة العقلية في المعرفة بعامة، الى البحث عن قاعدة حل، تعالج في‏ضوئها المشكلة. وقد اتت المدرسة العقلية على حل ينسجم مع مبادئها المعرفية التي تقدم استعراضها فانقذت ‏الدليل الاستقرائي بسلاحها العتيد «المبادى الاولية‏».
وقالت: ان الاستقراء المنتج ليس انتقالا من الجزء الى الكل، لكي تطرح مشكلة الطفرة الاستقرائية، بل يعود في جوهره‏الى قياس منطقي، تتمثل كبراه في القاعدة العقلية الاولية:
«استحالة ان يكون الاتفاق دائميا».
من هنا بدا «الاسس المنطقية للاستقراء» صراعه مع المدرسة العقلية، التي تبنى «الصدر» مبادئها كاملة في «فلسفتنا».
لاحظ «الاسس المنطقية‏» ان القاعدة التي استشفع بها المنطق الارسطي في معالجة مشكلة الاستقراء ليست قاعدة قبلية،بل هي بدورها قاعدة استقرائية، يصح الركون اليها بعد التجربة، ولا يمكن الاعتماد عليها، من دون استقراء وتجربة،ومن ثم لا يصح استخدامها اداة لاثبات حقانية الدليل الاستقرائي.
 وبذلك يطيح «الاسس المنطقية‏» بحجرة من البناء الذي شيدته المدرسة العقلية، والذي اسس عليه الشهيد الصدر  في ‏فلسفتنا.
وهل يعني هذا ان الشهيد الصدر اضحى تجريبيا برفضه لاساس  من اسس المنطق الارسطي؟
ان المخاض الفكري الذي مر به الشهيد الصدر، في عقده  الرابع، وفي كتاب «الاسس المنطقية‏» بالذات، لا يجيز  هذا التعجل في الاستفهام او الحكم. فالبناء المعرفي الذي  اختاره الشهيد الصدر جديد على المدرسة العقلية، كما هو  جديد على التجريبيين، وهو اعمق كثيرا من العجالة في  الاحكام، ويستدعي صبر الباحثين، بغية ان يتم فهمه  واستيعابه!
ان «مشكلة الاستقراء»، لا تنتهي بالاستعانة بالمبدا العقلي  المتقدم فحسب، فالمبدا العقلي المتقدم يعالج   صور يامشكلة ‏الطفرة، فيضع الاستقراء في قالب قياس منطقي  مضمون النتائج في ضوء معالجة المنطق الارسط‏ي‏، ولكن  تبقى هناك ‏مشكلتان لا بد من تجاوزهما قبل ذلك:
اننا حينما نلاحظ ان الحديد يتمدد كلما سلطنا عليه الحرارة  نستنتج ان الحرارة سبب لتمدد الحديد، ولكي ننتقل  الى ‏القاعدة: «كل حديد يتمدد بالحرارة‏»، علينا اولا: ان نثبت ان  التمدد بوصفه حادثا بحاجة الى علة، والا فمن الممكن ان ‏يكون  تمدد الحديد حادثا بلا سبب، ولا علاقة للحرارة بتمدده سوى  الاتفاق المطلق.
وعلينا ثانيا: ان نتاكد من استبعاد امكان تسلط الحرارة على  الحديد، من دون ان يتمدد في بعض الحالات.
ثم تطرح، بعد ذلك، المشكلة الثالثة، وهي: من قال لكم ان  اقتران التمدد بتسلط الحرارة على الحديد ليس امرا اتفاقيا،  لاعلاقة له بكون الحرارة سببا لتمدد الحديد؟
عالج العقليون المشكلتين: الاولى والثانية على اساس مبدا  العلية، ثم وضعوا الاستقراء في قالب القياس بمعالجة‏ المشكلة  الثالثة، كما اشرنا.
اما المدرسة التجريبية فازمتها مع المشكلات الثلاث ازمة  حادة، اذ انها رفضت كل معرفة قبل التجربة والاستقراء، فانى‏لها  من معالجة «مشكلة الاستقراء» بعد ذلك؟
لقد اتى التجريبيون على معالجة مشكلة الاستقراء، وتنوعت  حلولهم، تبعا لتطور المدرسة التجريبية، وقد جاءت جميع‏هذه  المعالجات من دون ان تقر بمبدا العلية في تفسيره العقلي.
فالعقليون يرون «العلية‏» علاقة بين مفاهيم وفئات‏وليست  علاقة بين مفردات، وهي علاقة الضرورة، ولا يرى التجريبيون  «السببية‏» الا علاقة مطردة بين الافراد.
بل تتجه المدرسة العقلية الى اعتبار «مبدا العلية‏» معرفة عقلية  اولية سابقة على التجربة والاستقراء.
وقد حاول بعض الفلاسفة العقليين اقامة الدليل على «العلية‏»
بوصفها علاقة الضرورة بين الاشياء.
وعند هذه المحاولة، بدا الشهيد الصدر جولته الثانية مع  المدرسة العقلية، حيث لم يكتم رفضه لدليلي  «الاسفار» و«اصول الفلسفة‏» على فكرة الضرورة التي يتضمنها  مبدا العلية في تفسيره العقلي، مشيرا الى ان الدليل الاستقرائي  في‏ضوء الاسس والتفسير الذي طرحه له لا يحتاج الى اخذ  مبدا العلية مصادرة، لا في تفسيره العقلي، ولا في  تفسيره‏ التجريبي، الذي اعتمده جون ستيوارت مل.
واخيرا، وقف عند الاتجاه الاحتمالي في معالجة «مشكلة  الاستقراء»، الذي اقام معالجته على اساس حساب  الاحتمال.مشيرا الى عجز هذا الاتجاه ايضا عن الافادة السليمة  من مبادى الرياضيات، التي سيعتمدها بدوره في معالجة  مشكلة‏ الاستقراء.
ثم اتى حساب الاحتمالات، فثبت ما تعارف عليه الباحثون  الغربيون من بديهيات لهذا الحساب، مدللا على عدم  وفائها للسير بالدليل الاستقرائي باتجاه التصديق الاحتمالي  بنتائجه، مضيفا بديهيات اخرى تعاضد البديهيات السالفة،  لكي‏يقوم الاستقراء على سوقه.
ثم امسك حساب الاحتمال ببديهياته التي اكتشفت له. ووفق  التفسير الذي طرحه له، ليتخذ منه اداة في معالجة‏«مشكلة  الاستقراء».
وقد انتهى الى ان الدليل الاستقرائي، اعتمادا على اساسه  الرياضي، يمكن ان يبلغ بالحكم العام الى درجة  تصديقية‏احتمالية عالية.
وحتى هذه المرحلة من البحث دلل «الاسس المنطقية  للاستقراء» على ان الدليل الاستقرائي يعتمد بديهيات قبلية  هي:
الف ـ  بديهيات حساب الاحتمال.  
ب ـ  الايمان القبلي بمبدا استحالة اجتماع النقيضين.
مضافا الى ذلك احتمال صحة المبدا العقلي في تفسير «العلية‏»  وفقدان المسوغ القبلي لرفض ذلك المبدا.
واثبت ان مبدا استحالة التناقض، الذي تعده المدرسة العقلية  الشرط الاساس لكل معرفة بشرية، شرط ضروري قبلي،لكي  ينمو العلم بنتيجة الاستقراء والتجربة. والا فلا امكان مع  الايمان بامكان اجتماع النقيضين لاي نمو في حساب ‏احتمالات  القضية المستقراة.
كما ان الموقف السلبي المسبق من التفسير العقلي للسببية  يفضي الى تعطيل الدليل الاستقرائي عن نموه
الاحتمالي،وبذلك سجل اول انتصار للمدرسة العقلية واول  دفاع عنها بسلاح المذهب التجريبي نفسه.
كما اثبت، ايضا، ان احتمال مبدا العلية، في تفسيره العقلي،  ينمو في كل تجربة واستقراء بالدرجة التي تنمو فيها  القضية ‏المستقراة، ومن ثم يمثل اعلى درجات التصديق  الاحتمالية، التي تتمتع بها التجارب البشرية المجمع  على ‏صحتها.
وبعد ان انتقل، في مرحلة لاحقة، بالدليل الاستقرائي من  مرحلته الاحتمالية الى مرحلة اليقين من خلال دراسة  علمية ‏مجهدة اتى على تحليل الموقف من المعرفة البشرية  في ضوء ما سماه «المذهب الذاتي‏» مقابل المذهبين:
التجريبي ‏والعقلي.
المعرفة البشرية في ضوء المذهب الذاتي  تجدر الاشارة، مرة اخرى، الى اننا نعرض النتائج التي آل اليها  بحث «الاسس المنطقية للاستقراء» من دون ان نباشر الحديث  عن هذا البحث العلمي، تاركين المجال امام من اراد، قناعة او  تقويما لهذه النتائج، لكي يعود الى قراءة كتاب‏«الاسس  المنطقية‏» عله يتفاهم مع هذه الدراسة، ويطلع على الاساس  الذي انطلقت في ضوئه النتائج التي نعرضها،فيقيم قناعته  على بينة، او يرفض بدليل!
ما المانع من ان نضع نتائج «الاسس المنطقية‏» في الاطار الذي  رسمه الشهيد «مطهري‏» لبحث المعرفة البشرية في ‏مشكلاتها  الثلاث، والذي طرحته موسوعة الدكتور بدوي ايضا، عسى ان  يسهم هذا الوضع في انسجام مرحلتي المقارنة ‏في بحثنا القائم؟
1 ـ قيمة المعرفة
تكشف المعارف البشرية عن الواقع الخارجي، وتتطابق مع هذا  الواقع، وهذه ليست النتيجة الجديدة التي اتى بها  كتاب‏«الاسس المنطقية للاستقراء»، بل هي ما ادعته المدرسة  العقلية عينه، وهي الاتجاه الذي تبناه كتاب «اصول  الفلسفة‏»وكتاب «فلسفتنا»، كما لا تتعارض مع الموقف المبدئي  الذي تتبناه جميع الاتجاهات الواقعية في تفسير قيمة  المعرفة‏البشرية، بما فيها المادية الجدلية.
انما الجديد في «الاسس المنطقية‏» هو انه اكتشف سبيلا مبتكرا  لاثبات موضوعية المعرفة البشرية، والتدليل على  الواقع‏الخارجي، كما استخدم السبيل نفسه في اثبات التطابق  والتماثل بين محتوى المعرفة والواقع.
وكان سبيل «الاسس المنطقية‏» الى ذلك هو الدليل  الاستقرائي نفسه.
وقد عجزت المدارس الواقعية، كالماركسية، عن اقامة الدليل  على واقعيتها، ولم نجد، في حدود تتبعنا، في ادبيات‏الفكر  الماركسي، الا محاولة كتبها بعض المفكرين السوفييت على  هامش بعض بحوثهم.
وقد قال الشهيد الصدر عن المشروع الذي طرحه لاثبات  موضوعية الواقع والمعرفة انه اول محاولة في تاريخ  الفكرالبشري، حيث ان مشروعه جديد غاية الجدة. والا فاننا  وجدنا في فكر «صدر المتالهين‏» ما يدلل على ان  «الشيرازي‏»استدل على موضوعية المعرفة البشرية، وواقعية  المدرك بالدليل الاستقرائي نفسه، حيث يقول: «فالحواس او  النفس‏الحساسة، بما هي حساسة، ليس لها علم بان للمحسوس  وجودا في الخارج، انما ذلك مما يعرف بطريق  التجربة‏»((105)).
ويقول ايضا: «اذا حملت شيئا ثقيلا فانما تحس بالثقل وتنفعل  عن الثقل فقط، واما ان هذه الكيفية قد حصلت بسبب‏جسم  ثقيل في الخارج، فذلك ليس ادراكه بالحس، ولا بالنفس في  ذاتها، بل بضرب من التجربة‏» ((106)). وقد قلنا في‏دراستنا عن  الادراك: ان بذور المحاولة العملاقة التي دبجها «الاسس  المنطقية‏» ، موجودة في كلمات «صدر الدين‏الشيرازي‏»،  واستشهدنا بالنص المتقدم، غير ان السيد الشهيد كما اشرنا  آنفا لم يرتض هذا الاستشهاد، واعترض بقوله ‏لي: «انهم يعنون  من التجربة معنى آخر...» وسواء اكانت لهذه المحاولة بذور في  عمق تاريخ الفكر الفلسفي الاسلامي ام‏لم تكن لها، فهي محاولة  في غاية الابتكار والخطورة، حيث اعتمدت تفسيرا صدريا  للدليل الاستقرائي، وحيث انهاتناولت اخطر قضايا الفكر  البشري والمعرفة البشرية.

2 ـ مصدر المعرفة
قلنا ان «الاسس المنطقية للاستقراء» لم يتعرض للمعرفة  التصورية في عرض دراسته، ويبدو لي ان ما تبناه الشهيد  الصدر،في «فلسفتنا»، من موقف ازاء مصدر التصور البشري، لم  يعرض عليه لاحقا اي تغيير اساسي. اذن ينصب‏البحث هنا  على‏مصدر المعرفة التصديقية.
يمكن ان نلخص موقف «الاسس المنطقية‏» من هذه المشكلة  في الن قاط الاتية:
الف ـ  ان المعرفة البشرية تبتدى من معارف قبلية، تسبق التجربة
والاستقراء، ويعتمدها الاستقراء، وهي عبارة عن  بديهيات‏حساب الاحتمال، ومبدا استحالة التناقض. ومن دون  الانطلاق من هذه البديهيات تفقد التجربة والاستقراء  مسوغهماعلى ارض المعرفة.
ب ـ ان المعرفة البشرية، في سيرها التكاملي، لا تتوقف على ما  سوى المصادرتين السابقتين بديهيات حساب‏الاحتمال، مبدا  استحالة اجتماع النقيضين من مبادى قبلية.
ج ـ ان جملة من القضايا التي عدها الاتجاه العقلي مبادى  عقلية قبلية، هي في واقعها مبادى وقواعد مستدلة في  ضوءالدليل الاستقرائي.
د ـ ان جميع المبادى التي عدها الاتجاه العقلي في المعرفة  مبادى اولية قبلية، يمكن اثباتها بالدليل الاستقرائي، سواءكانت  قبلية في واقعها ام لم تكن.
هـ ـ ان المعرفة البشرية لا يتحتم ان تسير من الكل الى الجزء،  بل يعتمد نمو المعرفة في الاعم الاغلب السير من الجزءالى  الكل، وتكتسب اليقين على اساسها بلوغها اعلى درجات  التصديق الاحتمالية، وفي ضوء طبيعة تركيب الذهن‏البشري  الاعتيادي.
ومن هنا لا يتحتم ان يكون نمو المعرفة قائما على اساس  التلازم الموضوعي بين المعرفة المقدمة والمعرفة النتيجة.

3 ـ حدود المعرفة
في ضوء قياس قدرة المدرسة التجريبية على تفسير قضايا  المعرفة البشرية المختلفة، وفي ضوء تقويمه لمعنى القضية ‏في  ما سماه «المنطق الوضعي‏» ((107))، احكم الاساس الذي  انطلقت منه «فلسفتنا» في الاعتراف بجدارة العمل  الفلسفي‏ خارج اطار التجربة والمعطيات الحسية، وبذلك اباح  عمل الميتافيزيقيا، واحتفظ للفلسفة بكيانها، ولكن على  اساس‏المنطلقات التي تتبناها المدرسة العقلية.
غير ان في كتاب «الاسس المنطقية‏» شيئا جديدا، حيث انه  استخدم الدليل الاستقرائي وسيلة اثبات في اخطر  قضاياالميتافيزيقيا (وجود اللّه). ودل على ان الدليل  الاستقرائي، الذي يمثل المسوغ المنطقي لجميع قضايا العلوم،  يثبت‏«وجود اللّه» بالطريقة التي يثبت بها تلك القضايا.
وبذلك اعار المدرسة العقلية سلاح خصمها اللدود  (التجريبيون) فتاكد ان المعرفة العلمية بمعناها الاشمل لا  تنحصرفي اطار المعط‏ى الحسي، بل تتجاوز هذا الاطار،  وتستحق قضايا الميتافيزيقيا الحياة.
كلمات تنبى بتحول كبير
ويخيل الي ان يد القدر لو لم تعالج المعلم الشهيد بالقتل لكان  منه الجديد في هذا المضمار: «حقل نظرية الوجود وابحاث  الميتافيزيقيا في الفلسفة الاسلامية‏». فقد كان يتحفظ على  كثير من آراء السلف، ورغم تحفظه العام تسربت،على لسانه  الكريم، اسرار تطلقها كلمات موجزة، اصغى اليها بعض  المقربين من طلابه، تنبى بتحول كبير سيطرا على ‏نظرية  الوجود، وابحاث الميتافيزيقيا، وقد كان السيد الشهيد في خيفة  وتردد، وهو على اعتاب طرح هذا التحول. ولعل‏العقل لم يبلغ  الرشد الكافي لقبول تلك الافكار، فقدر رب العقل لتلك الافكار  ان تلحق في عالمه، وبقيت نفوس‏ مخلصة تتوق اليها، عسى ان  يحدث اللّه بعد ذلك امرا!

المربع التنويري العربي ما المستفاد من وجوده بيننا وبعد رحيله

فقد العالم العربي اربعة اقلام كادت تضفي الكثير الى الفكر والتجديد وكانت اقلامهم تصحيحية رغم ما جوبهوا بأقلام اخرى كانت لاذعة في الرد عليهم وحصارهم بأفق ضيق لا يخلو من الحسد وانحسار فكري لايمت الى المنطقية والعقلانية بل الاكثر من ذلك هو الجهل المركب وتقديس الموروث الذي طالما كان بحاجة الى تصحيح مسارات لكونه عقيماً وبحاجة الى تغيير مع الحفاظ على الموروث المقدس الحقيقي الذي هو ثابت اكيداً ...
لذا وجب التعريف بهم والمرور عليهم عن كثب :

الاول  : السيد محمد حسين فضل الله .
محمد حسين فضل الله (2 نوفمبر 1935[1] - 4 يوليو 2010) مرجع دين شيعي لبناني ولد في مدينة النجف في العراق توفي في لبنان. ولد محمد حسين فضل الله في النجف في العراق في 19 شعبان لعام1354 هـ. بدأ بالدراسة في الحوزة العلمية في سن مبكرة جداً، كان تقريباً في التاسعة من عمره، وعندما وصل إلى سن السادسة عشر بدأ بحضور دروس الخارج ، يعتبر من أكثر علماء الشيعة انفتاحاً على التيارات الأخرى. والده السيد عبد الرؤوف فضل الله.

 الثاني :  محمد عبد الجابري .
محمد عابد الجابري (1936 بفكيك، الجهة الشرقية - 3 مايو 2010 في الدار البيضاء)، مفكر مغربي وأستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب بالرباط. حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة في عام 1967 ثم دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 1970 من كلية الآداب بالرباط. عمل كمعلم بالابتدائي (صف أول) ثم أستاذ فلسفة عضو مجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية.

الثالث : نصر حامد أبو زيد .
نصر حامد أبو زيد (10 يوليو 1943 - 5 يوليو 2010) أكاديمي مصري، وباحث متخصص في الدراسات الإسلامية ومتخصص في فقه اللغة العربية والعلوم الإنسانية.
ولد نصر أبو زيد في إحدى قرى طنطا في 10 يوليو 1943، ونشأ في أسرة ريفية بسيطة، في البداية لم يحصل على شهادة الثانوية العامة التوجيهية ليستطيع استكمال دراسته الجامعية، لأن أسرته لم تكن لتستطيع أن تنفق عليه في الجامعة، لهذا اكتفى في البداية بالحصول على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية قسم اللاسلكي عام 1960م.
حصل نصر علي الليسانس من قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة 1972م بتقدير ممتاز، ثم ماجستير من نفس القسم والكلية في الدراسات الإسلامية عام 1976م وأيضا بتقدير ممتاز، ثم دكتوراه من نفس القسم والكلية في الدراسات الإسلامية عام 1979م بتقدير مرتبة الشرف الأولى.

الرابع : محمد أركون .
محمد أركون (1928 - 14 سبتمبر 2010 ) مفكر وباحث أكاديمي ومؤرخ جزائري راحل.

ولد عام 1928 في بلدة تاوريرت ميمون (آث يني) الأمازيغية بالجزائر، وانتقل مع عائلته إلى بلدة عين الأربعاء (ولاية عين تموشنت) حيث درس دراسته الابتدائية بها. ثم واصل دراسته الثانوية في وهرانلدى الآباء البيض ، يذكر أركون أنه نشأ في عائلة فقيرة، وكان والده يملك متجراً صغيراً في قرية اسمها (عين الأربعاء) شرق وهران، فاضطر ابنه محمد أن ينتقل مع أبيه، ويحكي أركون عن نفسه بأن هذه القرية التي انتقل إليها كانت قرية غنية بالمستوطنين الفرنسيين وأنه عاش فيها "صدمة ثقافية"، ولما انتقل إلى هناك درس في مدرسة الآباء البيض التبشيرية، والأهم من ذلك كله أن أركون شرح مشاعره تجاه تللك المدرسة حيث يرى أنه (عند المقارنة بين تلك الدروس المحفزة في مدرسة الآباء البيض مع الجامعة، فإن الجامعة تبدو كصحراء فكرية) [p. 128].
ثم درس الأدب العربي والقانون والفلسفة والجغرافيا بجامعة الجزائر ثم بتدخل من المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون (Louis Massignon) قام بإعداد التبريز في اللغة والآداب العربية في جامعة السوربون في باريس '. ثم اهتم بفكر المؤرخ والفيلسوف ابن مسكويه الذي كان موضوع أطروحته.
فارق الحياة في 14 سبتمبر 2010م عن عمر ناهز 82 عاما بعد معاناة مع المرض في العاصمة الفرنسية ودفن بالمغرب.
هذه نبذة تعريفية عن كل واحد منهم .
في الحلقة القادمة سوف نختص بمواضيع خاصة بأفكارهم ومنحاهم التصحيحي .